ابن رشد
31
تهافت التهافت
قلت : وهذا بيّن غاية البيان ، إلا عند من ينكر إحدى المقدمات التي وضعناه قبل . لكن أبو حامد انتقل من هذا البيان إلى مثال وضعي ، فشوش به هذا الجواب عن الفلاسفة ، وهذا هو قوله . قال أبو حامد : وليس استحالة هذا الجنس في الموجب والموجب الضروري الذاتي ، بل وفي العرفي والوضعي ، فإن الرجل لو تلفظ بطلاق زوجته ، ولم تحصل البينونة في الحال ، لم يتصور أن تحصل بعده ، لأنه جعل اللفظ علة للحكم ، بالوضع والاصطلاح ، فلم يعقل تأخر المعلول ، إلا أن يعلق الطلاق بمجيء الغد ، أو بدخول الدار ، فلا يقع في الحال ، ولكن يقع عند مجيء الغد ، وعند دخول الدار . فإنه جعله علة بالإضافة إلى شيء منتظر . فلما لم يكن حاضرا في الوقت ، وهو الغد ودخول الدار ، توقف حصول الموجب على حضور ما ليس بحاضر ، فما حصل الموجب إلا وقد تجدد أمر ، وهو الدخول أو حضور الغد ، حتى لو أراد مريد أن يؤخر الموجب عن اللفظ ، غير منوط بحصول ما ليس بحاصل ، لم يعقل ، مع أنه الواضع بذاته ، المختار في تفصيل الوضع . فإذا لم يمكننا وضع هذا بشهواتنا ، ولم نعقله ، فكيف نعقله في الإيجابيات الذاتية العقلية الضرورية ؟ وأما في العادات ، فما يحصل بقصدنا لا يتأخر عن القصد ، مع وجود القصد إليه إلا لمانع . فإن تحقق القصد والقدرة ، وارتفعت الموانع ، لم يعقل تأخر المقصود إليه . وإنما يتصور ذلك في العزم ، لأن العزم غير كاف في وجود الفعل ، بل العزم على الكتابة لا يوقع الكتابة ، ما لم يتجدد قصد هو انبعاث في الإنسان ، متجدد حال الفعل . فإن كانت الإرادة القديمة في حكم قصدنا إلى الفعل ، فلا يتصور تأخر المقصود إلا لمانع . ولا يتصور تقدم القصد ، إذ لا يعقل قصد في اليوم ، إلى قيام في الغد إلا بطريق العزم . وإن كانت الإرادة القديمة في حكم عزمنا فليس ذلك كافيا في وقوع المعزوم عليه ، بل لا بد من تجدد انبعاث قصدي عند الإيجاد ، وفيه قول بتغير القديم . ثم يبقى عين الإشكال في أن ذلك الانبعاث ، أو القصد ، أو الإرادة ، أو ما شئت أن تسميه ، لم حدث الآن ولم يحدث من قبل ؟ فإما أن يبقى حادث بلا سبب ، أو يتسلسل إلى غير نهاية . ورجع حاصل الكلام إلى أنه وجد الموجب بتمام شروطه ، ولم يبق أمر منتظر ، ومع ذلك تأخر الموجب ، ولم يوجد في مدة لا يرتقي الوهم إلى أولها ، بل آلاف السنين لا تنقص شيئا منها ، ثم انقلب بغتة ووقع ، من غير أمر تجدد وشرط تحقق ، وهذا محال . قلت : هذا المثال الوضعي من الطلاق أوهم أنه يؤكد به حجة الفلاسفة ، وهو يوهنها ، لأن للأشعرية أن تقول : إنه كما تأخر وقوع الطلاق عن اللفظ ، إلى وقت حصول الشرط ، من دخول الدار إلى غير ذلك ، كذلك تأخر وقوع العالم عن إيجاد الباري سبحانه إياه ، إلى وقت حصول الشرط الذي تعلق